شوقي ضيف

290

المدارس النحوية

ولا يلبث محمد « 1 » بن يحيى المهلبي الرّباحى الجيّانى المتوفى سنة 353 للهجرة أن يفتتح عصر الاهتمام البالغ في موطنه بكتاب سيبويه ، وكان قد ثقف الفلسفة والمنطق والكلام ، ورحل إلى المشرق فلقى بمصر نحويّها النابه أبا جعفر ابن النحاس ، وأخذ عنه كتاب سيبويه رواية ، وعاد إلى قرطبة يفرغ له ولقراءته على الطلاب ، شارحا له ومفسرا تفسيرا مبينا ، تسعفه دقة نظره ومنطقه وقدرته على الاستنباط وتحليل العبارات والغوص على العلل . ولم يكن يكتفى بقراءته لطلابه ، فقد كان يعقد لهم مجلسا في كل جمعة للمناظرة في مسائله ، ويقول الزبيدي في بيان مكانته في تاريخ النحو بالأندلس : « لم يكن عند مؤدبى العربية ولا عند غيرهم ممن عنى بالنحو كبير علم ( بالعربية ) حتى ورد محمد بن يحيى عليهم ، وذلك أن المؤدبين إنما كانوا يعانون إقامة الصناعة في تلقين تلاميذهم العوامل وما شاكلها وتقريب المعاني لهم في ذلك . ولم يأخذوا أنفسهم بعلم دقائق العربية وغوامضها والاعتلال لمسائلها ، ثم كانوا لا ينظرون في إمالة ولا إدغام ولا تصريف ولا أبنية ، ولا يجيبون في شئ منها ، حتى نهج لهم سبيل النظر وأعلمهم بما عليه أهل هذا الشأن في المشرق من استقصاء الفن بوجوهه واستيفائه على حدوده وإنهم بذلك استحقوا الرياسة » . ويقول القفطي : « لما ورد محمد بن يحيى ( على قرطبة ) أخد في التدقيق والاستنباط والاعتراض والجواب وطرد الفروع إلى الأصول ، فاستفاد منه المعلمون طريقه ، واعتمدوا ما سنّه من ذلك » . وكان يعاصره في قرطبه أبو علي « 2 » القالى البغدادي الذي نزل الأندلس في سنة 330 للهجرة لعهد عبد الرحمن الناصر وقاد فيها نهضة لغوية ونحوية خصبة ، كان معوّله فيها على قراءة ذخائر اللغة والشعر والنحو التي حملها معه من المشرق ، وكان مما حمله كتاب سيبويه أخذه عن ابن درستويه عن المبرد ، وكان يجنح إلى المذهب البصري وينافح عنه مناظرا مجادلا .

--> ( 1 ) الزبيدي ص 335 وابن الفرضي 1 / 364 وبغية الملتمس للضبى ص 134 وإنباه الرواة 3 / 229 وبغية الوعاة ص 113 . ( 2 ) ابن الفرضي 1 / 65 والزبيدي ص 202 وبغية الملتمس ص 216 وفهرست ابن خير في مواضع متفرقة والصلة لابن بشكوال رقم 4 ، 289 ، 1376 والتكملة لابن الأبار رقم 362 ومعجم الأدباء 7 / 25 والأنساب الورقة 439 وإنباه الرواة 1 / 204 وشذرات الذهب 3 / 18 ومرآة الجنان 2 / 359 وبغية الوعاة ص 198 .